السيد كمال الحيدري

315

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

النقل ساقه كدليل عقلىّ ولم يسقه على نحو تعبّدىّ ، لأنّ من دأب القرآن حين يعرض مسألة أساسية من مبادئ أصول الدين أنّه يعرضها مع برهانها ، وفاقاً للقاعدة القرآنية التي تسجِّل صراحةً : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ « 1 » . فما يندرج في نطاق مبادئ الاعتقاد والبناء التحتى للرؤية الكونية ، لا يخضع للتعبّد والتقليد وإنّما الحجّة فيه البرهان . على أنّ ههنا لطيفة دقيقة حَرية بالانتباه ، فالقرآن الذي يؤسّس لقاعدة البرهان في مبادئ العقيدة وأصولها ويطالب صراحة بالأدلّة القطعية حجّة على المعتقدات ؛ هذا القرآن نفسه يتعامل مع الشرك بوصفه ظاهرة لا يمكن إقامة البرهان على إثباتها « 2 » ، كما يفيد ذلك قوله تعالى : فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ

--> ( 1 ) البقرة : 111 . ( 2 ) يبدو أنّ الأمر في عدم إمكان قيام البرهان لا يقتصر على الشرك وحده بل يمتدّ ليشمل أصل وجود الله ، إذ من المحال إقامة دليل على إنكار وجود الله عن علم ومعرفة . وهذا ما أشارت إليه كتب الكلام قاطبة على ما لخّصه المحقّق الطوسي بقوله : « ومحال أن يؤدّى الاجتهاد إلى الكفر » نقد المحصل ، ص 411 . أي من المحال لإنسان أن يجتهد في البحث ثمّ يقوده اجتهاده إلى الإلحاد ، ولم يتحقّق لهذه الحالة حتّى مصداق واحد على مرّ التأريخ ، ولن يتحقّق . مردّ ذلك إلى أنّ محض التصوّر الحقيقي لوجود الله يستلزم التصديق به ، تماماً كما في تصوّر العدد أربعة ، فبمجرّد أن يحصل هذا التصوّر يكون مستلزماً لتصوّر زوجيّة هذا الرقم في الآن ذاته . الحقيقة أنّ من يدّعى إنكار الله لم يستطع أن يتصوّر ولو لمعة من حقيقة الوجود الأعلى ، فساقه عجزه هذا وليس الدليل إلى الحكم بنفيه ، ومن ثمّ فما ينفيه المنكرون والملحدون هو أوهامهم وخيالاتهم الذهنية التي صنعوا منها إلهاً . / / يقول أحد المعاصرين : « ما يمكن قوله بحزم أنّه لم يظهر على مدار التاريخ منكر أو شاكّ استطاع استيعاب المفهوم الحقيقي لله ثمّ قاده ذلك إلى إنكاره أو الشكّ فيه . بل يمكن القول إنّه لا يمكن العثور مستقبلًا على حالة كهذه . فالمنكرون للألوهيّة صنعوا لأنفسهم في البدء تصوّراً من بناة أذهانهم بعنوان الله ، ثمّ عمدوا إلى إنكاره بعد ذلك دون أن ينتبهوا إلى أنّ تصوّرهم الذهني هذا ليس جديراً بالتطابق مع المفهوم الحقيقي لله » ( محمّدتقى جعفري ، مجلّة كيهان‌الثقافى ، السنة 1992 ، العدد 11 ، ص 21 بالفارسية ) . لهذا السبب ربّما لم يعبأ القرآن الكريم كثيراً في الاستدلال على إثبات أصل وجود الله ، ولم يولِ هذا الجانب اهتماماً يُذكر .